إن سيرة نفيسة المليك ليست مجرد تاريخ يُروى، بل هي مدرسة مستمرة في العطاء والتضحية.
لقد أثبتت المليك أن التعليم هو السلاح الأقوى لمواجهة الجهل والتبعية، وأن المرأة السودانية والعربية قادرة على صياغة التاريخ حين تتوفر لها الإرادة والمعرفة.
و يبقى اسم نفيسة المليك محفوراً في ذاكرة الأوطان كرمز للنهضة، والوعي، والكرامة الإنسانية.
وحين يُكتب التاريخ الحديث للحركة النسوية والتعليمية في السودان والعالم العربي، يبرز اسم الرائدة نفيسة المليك ، كمنارة أضاءت طريق الوعي والنهضة لجيل كامل من النساء.
لم تكن المليك مجرد مربية أجيال أو ناشطة عابرة، بل كانت مهندسة من مهندسات التغيير الاجتماعي، ومقاتلة بالكلمة والفعل من أجل نيل المرأة حقوقها التعليمية والسياسية في وقت كانت فيه البيئة الاجتماعية تفرض قيوداً صارمة على خروج المرأة إلى الفضاء العام.
ولدت نفيسة المليك في بيئة سودانية امتازت بالشغف بالعلم؛ فهي ابنة المربي والشاعر ورائد التعليم الشيخ أحمد محمد المليك ، الذي أسس أول مدرسة أهلية للبنات في مدينة شندي في ثلاثينيات القرن الماضي.
هذه البيئة الأسرية الداعمة كانت الوقود الذي شكل وعي نفيسة المبكر. تلقت تعليمها الأولي والوسطى، ثم التحقت بـكلية تدريب المعلمات بأم درمان (التي عُرفت لاحقاً بمعهد المعلمات)، وتخرجت منها لتنخرط مباشرة في سلك التعليم، حاملةً رؤية والدها وتطلعات جيلها نحو التغيير.
آمنت نفيسة المليك بأن معركة التحرر الحقيقية للمرأة تبدأ من فصول الدراسة. ولم تكتفِ بالتدريس في المدارس الحكومية، بل قادت مبادرات جبارة لتوسيع رقعة التعليم الأهلي (الخاص بجهود المواطنين)، ومن أبرز إنجازاتها في هذا الصدد:
قامت بتأسيس المدارس الأهلية، حيث ساهمت بجهد وافر في تأسيس وإدارة مدارس البنات الأهلية بالخرطوم بحري وأم درمان، ومنها مدرسة “المليك” الشهيرة التي أصبحت صرحاً تعليمياً تخرجت منه قيادات نسوية بارزة.
ولم يكن دورها مقتصراً على التلقين، بل ركزت على التربية الوطنية وتنمية شخصية الفتاة السودانية لتكون قادرة على القيادة والمشاركة في بناء المجتمع.
إلى جانب العطاء التعليمي، كانت نفيسة المليك في طليعة العمل العمل السياسي والاجتماعي ، كانت المليك من المؤسسات البارزات لـ “الاتحاد النسائي السوداني” عام 1952، برفقة رائدات مثل الخالدة فاطمة أحمد إبراهيم، وخالدة زاهر. هذا الاتحاد الذي قاد نضالاً شرساً لنيل المرأة حق التصويت والترشيح في الانتخابات، والمساواة في الأجور.
وتولت المليك رئاسة اتحاد نساء السودان في فترات لاحقة، وظلت صوتاً عاقلاً ومؤثراً يدافع عن قضايا السلم الاجتماعي، ورعاية الأمومة والطفولة.
وساهمت نفيسة المليك بكتابة المقالات التي تناقش قضايا المرأة والأسرة، وكانت تؤمن بأن توعية الأم هي توعية للمجتمع بأسره.
إرث من الإلهام والتقدير
عاشت نفيسة المليك حياة حافلة بالعطاء، وتجاوزت الصعاب السياسية والاجتماعية بحكمة وثبات. نالت خلال مسيرتها الطويلة تكريمات رفيعة على المستوى الوطني والإقليمي، تقديراً لجهودها التي امتدت لعقود في محو الأمية، ونشر التعليم، وتثبيت حقوق المرأة في الدساتير والقوانين.
تميزت المليك بشخصيتها القوية، وأمومتها الحانية التي شملت بها آلاف التلميذات اللواتي تخرجن على يديها، وأصبحن طبيبات، ومهندسات، ووزيرات، وقائدات للمجتمع.
