في تهنئته بعيد الأضحى مايو 2026، حاول المتمرد حميدتي تقديم خطاب مليء بشعارات السلام والسودان الجديد، غير أن الوقائع التي عاشها السودانيون طوال الحرب تكشف تناقضاً واضحاً بين الخطاب والممارسة، فالأحداث على الأرض، والانتهاكات الموثقة، والانشقاقات داخل المليشيا، تجعل من الضروري قراءة هذا الحديث بعين الوقائع لا الشعارات:
1. حين يتحدث حميدتي عن أن “شعوبنا تحلم بسودان جديد”، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس عن الشعار، بل عن الممارسة التي رآها الناس بأعينهم طوال شهور الحرب، فالتجارب الكبرى لا تُقاس بالخطب، وإنما بالأثر الذي تتركه على الأرض، ومن مقولات المسيح: (من ثمارهم تعرفونهم).
2.السودان الذي بشّرت به المليشيا ظهر مبكراً في شوارع الخرطوم والجزيرة وسنار عبر كاميرات المراقبة التي وثّقت سرقة سيارات المواطنين، ونهب المنازل، وترحيل الممتلكات المنهوبة نحو إقليم دارفور، كما ظهر في استباحة البنوك وتخريب البنى التحتية وفرض واقع من التهجير القسري والرعب اليومي، لم تعد هذه الوقائع مجرد روايات متداولة بين الناس، بل تحولت إلى مشاهد موثقة دعمتها تقارير ومنظمات أممية تحدثت بوضوح عن حجم الانتهاكات والدمار.
3.ولم تتوقف ملامح هذا (السودان الجديد) عند الخرطوم وحدها، بل سبقتها دارفور التي دفعت الثمن الأكبر، حيث شهد العالم مجازر مروعة بحق مكون المساليت، سقط فيها آلاف المدنيين العزل وسط اتهامات موثقة بالتصفية على أساس الهوية والانتماء، هناك، لم يكن المشروع سياسياً كما يدّعون، بل كان مشروع قوة غاشمة لا ترى في الدولة سوى غنيمة.
4.الأخطر أن دائرة العنف تمددت حتى إلى القرى والأحياء الآمنة، فصار المواطن البسيط هدفاً للقتل العشوائي والنهب والترويع، وتحولت الأسرة السودانية التي كانت تبحث عن الحد الأدنى من الطمأنينة إلى مطاردة يومية للخوف والنزوح وفقدان الأحبة، ومن عجائب هذا المشروع أنه استهدف حتى دامرة الشيخ موسى هلال بمنطقة مستريحة ومورست فيها ما يليق بأخلاق هذا المشروع البغيض.
4.لهذا، فإن السودانيين وهم يستمعون إلى حديث (السودان الجديد) لا يحاكمون الكلمات بقدر ما يستحضرون الوقائع؛ فالذاكرة الجمعية للشعب امتلأت بصور الخراب والدم والنزوح، والسودان الذي يحلم به الناس حقاً لا يُبنى على جماجم المدنيين، ولا على أنقاض البيوت المحروقة، ولا عبر تحويل المدن إلى ساحات للفوضى والنهب، وإنما عبر دولة قانون تحفظ كرامة الإنسان وتصون الوطن من مشاريع السلاح والفوضى.
5.ومن عجائب خطاب حميدتي تكراره تحميل الحركة الإسلامية مسؤولية إشعال هذه الحرب المدمرة، وكأن ذاكرة السودانيين خالية من الوقائع الموثقة التي سبقت اندلاع القتال، فالرجل يبدو وكأنه يسير على القاعدة القديمة: (اكذب… ثم واصل الكذب حتى يصدقك الناس).
6.أولى الحقائق التي تقف في وجه هذه الرواية أن مليشـ..ـيا الدعـ م السـ ـريع دفعت بتعزيزاتها إلى مطار مروي في الثالث عشر من أبريل، أي قبل اندلاع الحرب بيومين كاملين، وهو تحرك لا يمكن تفسيره باعتباره إجراءً عادياً أو بريئاً.
7.خلال الأسابيع الأولى للحرب كانت عمليات مليشـ..ـيا الدعـ م السـ ـريع ذات طبيعة هجومية واضحة، وهو ما يكشف أن المليشيا دخلت المعركة وهي في حالة استعداد مسبق وخطة معدة، لا في موقع رد الفعل كما تحاول تصوير نفسها لاحقاً.
8.كذلك فإن إدخال أعداد كبيرة من المركبات القتالية والمدرعات إلى الخرطوم قبل الحرب بفترة قصيرة يثير تساؤلات منطقية حول الغرض الحقيقي من هذا الحشد العسكري داخل العاصمة، خاصة في ظل غياب أي مبررات أمنية أو عسكرية معلنة وقتها.
9.الأهم من ذلك أن صور الأقمار الاصطناعية رصدت تحركات تلك الآليات وانتشارها قبل اندلاع القتال بساعات، بما يؤكد أن ما جرى لم يكن انفجاراً مفاجئاً للأحداث، وإنما خطوات ميدانية سبقت ساعة الصفر بترتيب واضح.
10.وإلى جانب التحركات العسكرية، ظهرت شهادات ومواقف لعدد من رموز الإدارة الأهلية تحدثوا فيها عن لقاءات واتصالات أجراها حميدتي طالباً الدعم والمساندة في مشروعه للاستيلاء على السلطة تحت لافتة (إنقاذ البلاد وتدارك أوضاعها).
11.لذلك فإن محاولة إعادة كتابة بداية الحرب عبر خطاب سياسي متأخر تصطدم بوقائع ميدانية يصعب تجاوزها، لأن الشعوب قد تختلف حول التفسيرات السياسية، لكنها لا تنسى الحقائق التي وثقتها الصور والتحركات والوقائع على الأرض، فالأزمة الحقيقية ليست فقط في إشعال الحرب، بل في الإصرار على تضليل الرأي العام والتنصل من المسؤولية رغم أن آثار الكارثة ما تزال ماثلة في الخرطوم ودارفور وسائر أنحاء السودان.
12.من أكثر العبارات إثارة للسخرية في حديث حميدتي قوله إن (محنة الحرب على قسوتها لن تنال من إرادة شعوبنا في السلام)، فهي ربما العبارة الوحيدة التي اقترب فيها الرجل من الحقيقة، لكن بطريقة معاكسة تماماً لما أراد.
13.فالوقائع على الأرض تقول إن كثيراً من قادة مشروعه أنفسهم غادروه بحثاً عن السلام الذي عجزت المليشيا عن توفيره حتى لأقرب الناس إليها. اللواء النور قبة، الرجل الثالث في هذه المليشيا العابرة للحدود، انتهى به المطاف إلى الاستسلام، لا بسبب نقص السلاح، بل بسبب غياب اليقين في مشروع تحوّل من شعارات سياسية إلى واقع من الفوضى والاستنزاف.
14.ثم تبعه العميد السافنا، بعدما اكتشف أن الحرب التي رُفعت باسم (السودان الجديد) لم تنتج سوى مزيد من الخراب والانقسام، وأن الطريق الذي بدأ بشعارات التغيير انتهى إلى البحث عن مخرج آمن من دائرة النار.
15.وقبل هؤلاء، غادر عدد من كبار مستشاري حميدتي وقيادات الإدارة الأهلية، التي تجاوز عدد المنشقين منها العشرات، بعدما أدركوا أن المشروع الذي وُعد الناس بأنه سيصنع دولة جديدة، لم يستطع حتى أن يوفر الطمأنينة لحلفائه وقادته.
16.المفارقة العميقة أن الذين بشّروا الناس بـ(السودان الجديد) عادوا في نهاية المطاف إلى ما كانوا يصفونه بـ( السودان القديم) طلباً للأمن والاستقرار، وكأن التجربة نفسها أثبتت أن الدولة، مهما كانت أزماتها، تبقى أكثر رحمة من مشاريع السلاح والفوضى والسلطة القائمة على القوة المجردة.
17.هذه الانشقاقات والاستسلامات ليست مجرد أحداث عسكرية عابرة، بل رسائل سياسية ونفسية بالغة الدلالة؛ لأنها تكشف أن الأزمة لم تعد فقط في خسارة المعارك، وإنما في اهتزاز القناعة بالمشروع نفسه، فحين يبدأ القادة في مغادرة السفينة، فهذا يعني أن الشعارات فقدت قدرتها على إقناع حتى من رفعوها بالأمس.
18. (سقطة حميدتي) ولهذا، فإن حديث حميدتي عن إرادة السلام يبدو أقرب إلى اعتراف غير مباشر بفشل مشروع الحرب، لأن الناس ( بمن فيهم بعض رجاله ) باتوا يبحثون عن الدولة والاستقرار والأمان، لا عن أوهام الشعارات التي أحرقت المدن وبددت أحلام السودانيين والحواضن.
19. وقال حميدتي في خطابه: (ننحني إجلالاً وإكباراً لأرواح شهدائنا)، غير أن الواقع الذي تكشفه الوقائع اليومية داخل معسكرات المليشيا ومناطق انتشارها يطرح سؤالاً مشروعاً حول طبيعة هذا “الإجلال” وحدوده.
20. فالمتابع للمشاهد المتداولة عبر وسائل التواصل يلاحظ حجم المعاناة التي يعيشها كثير من الجرحى والمصابين التابعين للمليشيا، حيث تظهر تسجيلات ومناشدات تتحدث عن غياب العلاج ونقص الرعاية وانعدام أبسط مقومات الإيواء والاهتمام. وبعض هذه النداءات خرجت من مقربين ومقاتلين سابقين طالبوا علناً بإنقاذ الجرحى الذين تُركوا يواجهون مصيرهم في ظروف قاسية بينما آخرون يتم إجلاءهم عبر الطائرات.
21. وهنا تبدو المفارقة مؤلمة؛ إذ كيف يمكن لقيادة تتحدث عن الوفاء للشهداء أن تعجز عن رعاية الأحياء من مقاتليها؟ وكيف يتحول الذين زُجّ بهم في أتون الحرب إلى مجرد أرقام تُستخدم في الخطابات، بينما يكابد الجرحى الإهمال والعزلة والنسيان؟
22. ولعل أخطر ما تكشفه هذه المشاهد أن المليشيا، التي رفعت شعارات العدالة والكرامة، فشلت حتى في توفير الحد الأدنى من الرعاية لمن قاتلوا تحت رايتها، فالإجلال الحقيقي لا يكون بالخطب الرنانة، وإنما بصيانة كرامة الإنسان حياً، قبل الحديث عنه شهيداً بعد رحيله.
