كتب : حسان الضيف محمد يوسف
يبقى الشباب السوداني هو الثروة الحقيقية التي يمكن أن تعيد بناء الوطن مهما اشتدت الأزمات وتعاظمت التحديات. فالدول لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل تُبنى بالعقول، والإرادة، والوعي الوطني القادر على حماية الهوية وصناعة المستقبل. وفي ظل الظروف الصعبة التي يعيشها السودان اليوم، تبرز مسؤولية الشباب باعتبارهم القوة الأكثر تأثيراً في معركة إعادة الدولة وترميم النسيج الاجتماعي الذي أرهقته الحرب والانقسامات.
لقد أثبتت التجارب أن الشعوب التي نهضت من تحت الركام كانت تعتمد أولاً على وعي شبابها، لأن الشباب هم الأكثر قدرة على تجاوز الماضي وصناعة واقع جديد يقوم على العمل والإنتاج والوحدة الوطنية. والسودان اليوم يحتاج إلى جيل يؤمن بأن الوطن أكبر من القبيلة، وأكبر من الجهوية، وأكبر من المصالح الضيقة التي ظلت تمزق البلاد لسنوات طويلة.
غير أن التحدي الأخطر الذي يواجه الشباب السوداني لا يتمثل فقط في الحرب أو الأزمة الاقتصادية، بل في ذلك الخطر الصامت الذي يتسلل إلى المجتمع بهدوء ويدمر مستقبله من الداخل، وهو آفة المخدرات. فالمخدرات لم تعد مجرد ظاهرة محدودة، بل أصبحت تهديداً حقيقياً يستهدف عقول الشباب وطاقتهم ودورهم في بناء الدولة.
إن أخطر ما تفعله المخدرات أنها لا تقتل الإنسان جسدياً فقط، بل تقتل فيه الطموح والانتماء والإرادة. وحين يُستهدف الشباب بالمخدرات، فإن الوطن كله يصبح مستهدفاً، لأن الدول القوية تقوم على شباب واعي ومنتج، لا على جيل ضائع بين الإدمان والانهيار النفسي والاجتماعي.
ومن المؤسف أن الحرب وما صاحبها من نزوح وفقر وتفكك أسري خلقت بيئة مناسبة لانتشار هذه السموم، مستغلة غياب الرقابة وضعف مؤسسات الدولة وانشغال المجتمع بأزماته الكبرى. وهنا تصبح المعركة ضد المخدرات مسؤولية جماعية تبدأ من الأسرة، ثم المدرسة، ثم الإعلام، ثم الدولة بكل مؤسساتها الأمنية والثقافية والدينية.
كما أن بناء الدولة لا يمكن أن يتحقق دون مشروع وطني يعيد للشباب الثقة في المستقبل. فالشباب يحتاجون إلى فرص تعليم حقيقية، ومشروعات إنتاج، ومساحات للإبداع والمشاركة، لأن الفراغ واليأس هما البيئة الأخطر التي تنمو فيها الانحرافات والجريمة والتطرف.
إن السودان اليوم أمام مفترق طرق؛ إما أن ينتصر لوعيه ووحدته وشبابه، أو يترك مستقبله رهينة للفوضى والتفكك والضياع. ولذلك فإن معركة بناء الوطن تبدأ أولاً بحماية الإنسان السوداني، وبناء عقل الشباب على قيم الانتماء والوحدة والعمل والأمل.
ويبقى الأمل قائماً ما دام في السودان شباب يؤمنون أن الأوطان لا تموت، وأن المستقبل يمكن أن يولد حتى من قلب المعاناة، وأن الوحدة الوطنية ليست شعاراً سياسياً فقط، بل صمام أمان يحفظ البلاد من الانهيار.
