تتسع الهوة بين رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ونائبه قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) لتصبح صراعاً على النفوذ والسلطة داخل السودان، في سبع ملاحظات، نرصد أبرز محطات هذا الخلاف وتأثيره على السياسة، الجيش، والمجتمع.
1. بدأ الخلاف بين الرئيس عبدالفتاح البرهان ونائبه حميدتي عندما سمح الأخير لقوى سياسية من حلف اليسار، يتقدمها الحاج وراق وآخرون، باختراق الدعم السريع لصالح مشروع قوى إعلان الحرية والتغيير، ففي الوقت الذي كان يرى فيه حميدتي نفسه جزءاً من قوى الثورة وحاملاً لمطالب الشارع الثائر، كان الطرف الآخر ينظر إلى قوات الدعم السريع باعتبارها عائقاً أساسياً أمام مسيرة السودان نحو المستقبل.
2. خلال زيارتنا إلى منطقة الفشقة برفقة رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان في أغسطس من العام 2021، في أعقاب الاعتداءات التي نفذتها مجموعات إثيوبية (خارجة) على الأراضي الزراعية السودانية، والتي أسفرت عن حالة من الاضطراب وارتقاء خمسة من أفراد الجيش السوداني في عمليات التحرير، اتضح بجلاء غياب قوات الدعم السريع عن محاور القتال، إذ كانت متمركزة على بعد نحو 24 كيلومتراً من مواقع الاشتباك، ولم تخلُ زيارة الرئيس إلى الفشقة من مؤشرات توتر، حيث بدا عدم ارتياحه لحضور قوات الدعم السريع التي اكتفت بالوصول إلى محيط موقع الاحتفال دون الدخول إلى ساحته، مفضلة التمركز على مقربة منه، ويُعدّ من اللافت (والمثير للتساؤل) أن القوة التي حضرت كانت بقيادة ضابط برتبة نقيب، في مشهد لا ينسجم مع طبيعة الحدث ولا يعكس مستوى الانضباط أو التقدير لمقام الزيارة الرئاسية.
3. بدأت الخلافات تتزايد بين قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو والقائد العام للقوات المسلحة عندما صرح والي البحر الأحمر السابق في إحدى اللقاءات مخاطبا عمال الموانئ إبان زيارة حميدتي للولاية في العام 2022: (ما تخافوا حميدتي قال لي الساحل دا ما بديه لأي دولة أجنبية ولا الإمارات ) ليرد عليه حميدتي بشكل صريح وسريع : (يا زول ما تقولني كلام أنا ما قلته).
4. قام قائد قوات الدعم السريع بتمويل اعتصام القصر الجمهوري على دفتيه، وعندما أُعلن التغيير قدم قائمة وزراء للرئيس يوم في اليوم الثاني للإجراءات أي يوم 26 لتعيينهم، إلا أن الرئيس رفض، مفضلاً مزيداً من التوافق في توزيع المناصب لضمان أكبر قدر ممكن من المشاركة في السلطة.
5. في تلك المرحلة، كانت المحكمة تعيد يومياً عدداً من المفصولين من ملفات الخدمة المدنية، خاصة في الكهرباء والنيابة وأساتذة الجامعات وضباط الجيش، وهو ما فتح المجال لمقربين من حميدتي لتبرير موقفهم، بحجة أن البرهان يسعى لإعادة الإسلاميين إلى السلطة وينوي الغدر به، وأنه يجب الإسراع في القضاء عليه لاحقاً وقبيل اندلاع الحرب بأيام، عقد حميدتي اجتماعاً مع عدد من السفراء (…) ، وأطلق خلاله تصريحاً لافتاً للحضور حمل في طياته إشارة نابئة لتوصيف البرهان، قائلاً: (إذا بفتكر بإمكانه إعادة الإسلاميين إلى السلطة يبقى واهم).
6. تفيد مصادر مقربة بأن عدداً من القيادات السياسية (سيأتي الحديث عنها لاحقاً) عملت على إعداد تقارير تتعلق بعائدات الذهب السوداني المُصدَّر إلى أحد الرعاة الإقليميين خلال فترة حكومة د. حمدوك الثانية، مشيرة إلى أن السودان لا يجني الفائدة المرجوة من هذا الصادر، غير أن هذه الجهود قوبلت بوعود غير مباشرة من دويلة الشر بإمكانية تعيينهم في مناصب وزارية أو تكليفهم بمهام أخرى، مع الدعوة إلى التحلي بالصبر.
7. بدأ الصراع يطفو إلى العلن بين قائد قوات الدعم السريع والقائد العام للجيش السوداني حين سعى الأول لإنشاء محمية طبيعية في جبل الحسانية بولاية نهر النيل، إلى جانب إقامة قاعدة عسكرية ومساكن لما وصفهم بمتضرري النزاع في دارفور، في خطوة رأى فيها مراقبون تمهيداً لتغيير ديمغرافي وعسكري في المنطقة، وقد قوبلت هذه التحركات برفض واسع، تجلّى في حشد جماهيري تجاوز خمسة عشر ألف مواطن من أبناء الحسانية والكواهلة من كل ولآيات السودان
وخلال ذلك، وجّه رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة رسائل حاسمة، أكد فيها رفضه القاطع للمشروع بقوله: (لا محمية في أرض الحسانية) ، مضيفاً: (لنرَ من يستطيع كسر هذا القرار)، في إشارة مباشرة إلى حميدتي، وما أن مرت أيام بسيطة حتى دعا عضو مجلس السيادة ياسر العطا إلى الضرورة العاجلة لدمج الدعم السريع في الجيش لدى تشريفه زواجاً جماعياً بنهر النيل في يوم 27 فبراير من العام 2023 وقال بالحرف الواحد: (قواتكم المسلحة قادرة على حسم أي تمرد أو أعمال غير مسئولة) في إشارة للدعم السريع.
يتبع..
