لمياء ميرغني تكتب:قراءة أخرى.. “الناقل الوطني”: بين النقد المشروع وخطورة التبسيط

 

النقد حقٌ أصيل، بل ضرورة لأي مؤسسة تسعى للتطوير، وسودانير – بصفتها الناقل الوطني – ليست استثناءً من ذلك.
غير أن الإشكال لا يكمن في مبدأ النقد، بل في زاوية النظر وتوقيت الطرح وطريقة المقاربة….

ما ورد في مقال الأستاذ إبراهيم عدلان يقدّم طرحًا فكريًا يبدو في ظاهره عقلانيًا، لكنه في جوهره يُسقط تعقيدات الواقع، ويختزل أزمة وطنية مركّبة في معادلة إدارية بحتة، وكأن سودانير شركة تعمل في بيئة مستقرة، وبشروط سوق طبيعية، وتاريخ خالٍ من الانقطاعات القسرية.

سودانير ليست “Business as Usual” لأن السودان ذاته ليس كذلك.

الناقل الوطني لم يفشل لأنه مُقدَّس، بل تعثّر لأنه:

عمل لعقود في بيئة سياسية واقتصادية غير مستقرة،

عانى من قرارات سيادية متقلبة،

حُرم من التمويل، وأُثقل بالديون، وقُيّدت حركته بعقوبات وحروب وانقطاعات تشغيلية،

ثم طُلب منه أن ينافس في سوق مفتوح بلا أدوات عادلة.

وهنا يصبح السؤال الأصدق: هل نُحاسب النتيجة دون الاعتراف بالسياق؟

الرمزية ليست نقيض الكفاءة

وصف “الناقل الوطني” ليس صك حصانة، نعم،
لكنه أيضًا ليس عبئًا يجب التخلّص منه كما يوحي المقال.

في كل دول العالم، تُدار الناقلات الوطنية بمنطق مزدوج:

كفاءة تشغيلية،

ومسؤولية سيادية.

ومسؤولية مشتركة بما انها مملوكة للدولة بنسبه 99٪
الخطورة ليست في الرمز والحل ليس في “تحرير الاسم من الإرث”، بل في تمكين المؤسسة من أدوات الاستحقاق.

أما قصة الطائرة والدموع…

فهي شهادة إنسانية مؤلمة، لكنها لا تُثبت أن العاطفة كانت سبب الانهيار،
بل تُثبت أن:

هناك كفاءات فنية مخلصة،

وأفرادًا دفعوا ثمن قرارات لم يكونوا صُنّاعها،

ومؤسسة تُركت طويلًا بلا قرار سيادي شجاع يحميها ويدعمها قبل أن يُحاسبها.

الدموع هنا ليست دليل فشل ثقافي،
بل دليل انتماء لم يجد من يحسن استثماره.

ما نحتاجه فعلًا

سودانير لا تحتاج:

إلى جلد ذاتها علنًا،

ولا إلى تقديمها كدرس تحذيري،

ولا إلى خطاب يُضعف الثقة العامة في لحظة عودة ومحاولة نهوض.

سودانير تحتاج إلى:

استقرار إداري وسيادي ودعم حقيقي ومادي.

حماية ذكية لا تقديسًا أعمى،

محاسبة عادلة لا مقارنة مجحفة،

دعم مرحلي حتى تستعيد قدرتها التنافسية.

الدفاع عن سودانير ليس هروبًا من الإصلاح،
بل إيمان بأن الإصلاح لا يتم عبر تفكيك الرموز،
ولا عبر خطاب يبدو عقلانيًا لكنه يُفرغ الذاكرة الوطنية من قيمتها.

الناقل الوطني لا يُحمى بالبكاء، نعم،
لكن لا يُبنى أيضًا بإضعافه معنويًا أمام شعبه وموظفيه.
النقد مرحّب به،
أما تحويل سودانير من مشروع وطني إلى حالة فشل نظرية،
فذلك لا يخدم الإصلاح… بل يسهّل التخلي ويخدم اجنده خفيه والله اعلم بالمقاصد .

لمياء ميرغني
مدير العلاقات العامة والإعلام

Exit mobile version