يا يستسلم يا نستلمو: ألف يوم غيّرت المعادلة
كلام سياسة الصافي سالم
قبل نحو ألف يوم، خرجت عبارات التهديد من أفواه المتمرد الهالك محمد حمدان دقلو، ظنًّا منه أن الصوت العالي يصنع واقعًا ونصرًا، وأن الشعارات وحدها كفيلة بإسقاط الوطن العزيز، السودان؛ دولة الحضارات ومهد الأجداد، وكسر قواتنا المسلحة والقوات النظامية الأخرى. يومها قال المتمرد، الذي وثق فيه قائد جيشنا الفارس سعادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان،
عبارته الشهيرة: البرهان يا يستسلم يا نستلمو.لم تكن تلك العبارة مجرد كلام عابر، بل كانت خيانةً للعهد، ونقضًا لقسم الولاء للقوات المسلحة، وإعلان نوايا، ورسالة غرور، وتقديرًا خاطئًا لمعادلات التاريخ والجغرافيا وإرادة الشعوب. اليوم، وبعد مرور تلك الأعوام المثقلة بالحرب والخراب والدمار والقتل والاغتصاب، تساءل كثيرون: “القال الكلام دا وين الآن؟”ظنّ أن الخرطوم قاب قوسين أو أدنى، وأن الدولة أوهى من بيت العنكبوت، وأن الجيش يمكن أن يُهزم بالضغط النفسي والحرب الإعلامية قبل أن يُهزم في الميدان. لكن مرت الأيام وتعاقبت الشهور،وتكشّفت الحقائق، وسقطت الأقنعة واحدًا تلو الآخر، بعد انتصارات متتالية حققتها القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى. واليوم، بعد قرابة ألف يوم، البرهان قاعد في الخرطوم، بقدرة الله أولًا، ثم بالسند الكبير من الشعب العظيم شاهد على أن الدول بلا جيش وطني يحمي الأرض والعرض وهم، وأن القوة بلا شرعية سراب، وأن من يراهن على كسر المؤسسات يخسر، ولو طال الزمن.ما بين تلك العبارة المتغطرسة وهذا المشهد الواقعي، مسافة اسمها الصبر الاستراتيجي، واسمها تماسك الدولة، واسمها الأكبر إرادة الله ثم إرادة الشعب. لم يكن الطريق سهلًا، ولم تكن التضحيات قليلة. دفعت البلاد ثمنًا باهظًا؛ سالت دماء وتشرد الناس وانهكت المدن، لكن وسط الركام ظل خيط الدولة متماسكًا لم ينقطع، لأن خلفه مؤسسات وجيش يعرف معنى الوطن، وشعب مهما اختلف لا يقبل أن يُحكم بالتهديد.الفرق بين من قال “نستلمو” ومن جلس اليوم في الخرطوم، أن الأول راهن على اللحظة، والثاني راهن على التاريخ. الأول ظن أن السلاح وحده يكفي، والثاني أدرك أن السلاح بلا قضية يتحول إلى عبء. الأول خاطب غرائز القوة، والثاني خاطب فكرة الدولة وعزيمة الشعب. وهنا تحضر الآية الكريمة: ﴿سبحان الذي يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء﴾. آية لا تُقرأ فقط في الخطب، بل تُفسَّر في الوقائع. فالملك لا يُؤخذ بالضجيج، ولا يُنتزع بالتهديد، وإنما يُمنح حين تتقاطع السنن الإلهية مع سنن الأرض.وجود الرئيس البرهان بالخرطوم ليست مجرد مدينة، بل رمز لصمود الدولة رغم كل محاولات كسرها، ورمز لفشل الرهان على السقوط السريع، ورمز لأن من يستخف بالمؤسسات يدفع ثمن استخفافه عاجلًا أم آجلًا. أما أولئك الذين وقفوا وساندوا تلك العبارة، فالتاريخ لا ينسى. يسجل الكلمات ثم يعيد عرضها حين تنقلب الوقائع ليقول للناس: هكذا تتهاوى الأوهام، وهكذا يسقط الغرور الموهوم.
الدرس الأكبر بعد ألف يوم هو أن السودان لا يُحكم بمنطق يا كدا يا كدا ، ولا يُدار بثقافة الغلبة المؤقتة، بل بمنطق النصر والعزة من عند الله، وبقيادة رجل شجاع صاحب نفس طويل وعزيمة وإرادة قوية قد تتألم لكنها لا تموت.سعادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وقادة قوات الجيش وحكومة الأمل التي عادت للخرطوم واستقبلت اليوم دولة رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس لتبدأ عهد العودة والإعمار والبناء ما زالت تقول لكل من راهن على سقوطها: الدول لا تُؤخذ بالهتاف بل تُبنى بالصبر.جيناكم راجعين شايلين الحلم الجميل شكرا حكومة وشعب عروس البحر الأحمرعلي حسن الاستضافة وكرم الضيافة ياهو ده السودان

